ابن أبي الحديد

129

شرح نهج البلاغة

وهذا الكلام منه كلام عارف عالم بأن في الناس من لا يصدقه فيما ( 1 ) يقول ، وهذا أمر مركوز في الجبلة البشرية ، وهو استبعاد الأمور الغريبة ، وتكذيب الاخبار بها . وإذا تأملت أحواله في خلافته كلها وجدتها هي مختصرة من أحوال رسول الله صلى الله عليه وآله في حياته ، كأنها نسخة منتسخة منها ، في حربه وسلمه ، وسيرته وأخلاقه ، وكثرة شكايته من المنافقين من أصحابه والمخالفين لامره ، وإذا أردت أن تعلم ذلك علما واضحا ، فاقرأ سورة ( براءة ) ففيها الجم الغفير من المعنى الذي أشرنا إليه [ ذكر مطاعن النظام على الامام على والرد عليه ] واعلم أن ( 2 ) النظام لما تكلم في كتاب النكت ، وانتصر لكون الاجماع ليس بحجة ، اضطر إلى ذكر عيوب الصحابة ، فذكر لكل منهم عيبا ، ووجه إلى كل واحد منهم طعنا ، وقال في علي : إنه لما حارب الخوارج يوم النهروان ، كان يرفع رأسه إلى السماء تارة ينظر إليها ، ثم يطرق إلى الأرض فينظر إليها تارة أخرى ، يوهم أصحابه أنه يوحى إليه ، ثم يقول : ( ما كذبت ولا كذبت ) ، فلما فرغ من قتالهم وأديل عليهم ، ووضعت الحرب أوزارها ، قال الحسن ابنه : يا أمير المؤمنين ، أكان رسول الله صلى الله عليه وآله تقدم إليك في أمر هؤلاء بشئ ؟ فقال : لا ، ولكن رسول الله صلى الله عليه وآله أمرني بكل حق ، ومن الحق أن أقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين . قال النظام ( 1 ) : وقوله : ( ما كذبت ولا كذبت ) ورفعه رأسه أحيانا إلى السماء وإطراقه إلى الأرض إيهام ، أما لنزول الوحي عليه ، أو لأنه قد أوصى من قبل في شأن الخوارج بأمر . ثم هو يقول : ما أوصى فيهم على خصوصيتهم بأمر ، وإنما أوصى بكل الحق ، وقتالهم من الحق .

--> ( 1 ) كذا في ج ، وفى ا ، ب : ( كما ) . ( 2 ) هو إبراهيم بن سيار بن هاني البصري أبو إسحاق النظام ، أحد أئمة المعتزلة ، ذكره ابن حجر في لسان الميزان 1 : 67 ، وقال إنه ( مات في خلافة المعتصم سنة بصنع وعشرين ومائتين ) .